الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
401
مناهل العرفان في علوم القرآن
كل أولئك كان يغنيهم عن الشكل . ولكن حين دخلت الإسلام أمم جديدة ؛ منهم العجم الذين لا يعرفون العربية ، بدأت العجمة تحيف على لغة القرآن . بل قيل إن أبا الأسود الدؤلي سمع قارئا يقرأ قوله تعالى : « أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ » . فقرأها بحر اللام من كلمة « رسوله » . فأفزع هذا اللحن الشنيع أبا الأسود وقال : عزّ وجه اللّه أن يبرأ من رسوله . ثم ذهب إلى زياد وإلى البصرة وقال له وقد أجبتك إلى ما سألت . وكان زياد قد سأله أن يجعل للناس علامات يعرفون بها كتاب اللّه ، فتباطأ في الجواب حتى راعه هذا الحادث وهنا جدّ جدّه ، وانتهى به اجتهاده إلى أن جعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف ، وجعل علامة الكسر نقطة أسفله ، وجعل علامة الضمة نقطة بين أجزاء الحرف ، وجعل علامة السكون نقطتين . طفق الناس ينهجون منهجه ، ثم امتدّ الزمان بهم فبدءوا يزيدون ويبتكرون ، حتى جعلوا للحرف المشدّد علامة كالقوس ، ولألف الوصل جرّة فوقها أو تحتها أو وسطها ، على حسب ما قبلها من فتحة أو كسرة أو ضمة . ودامت الحال على هذا حتى جاء عبد الملك ابن مروان ، فرأى بنافذ بصيرته أن يميز ذوات الحروف من بعضها ، وأن يتخذ سبيله إلى ذلك التمييز بالإعجام والنقط ، على نحو ما تقدم تحت العنوان السابق . وهنا لك اضطرّ أن يستبدل بالشكل الأول الذي هو النقط ، شكلا جديدا هو ما نعرفه اليوم من علامات الفتحة والكسرة والضمة والسكون . والذي اضطره إلى هذا الاستبدال ، أنه لو أبقى العلامات الأولى على ما هي عليه نقطا ، ثم جاءت هذه الأخرى نقطا كذلك لتشابها واشتبه الأمر . فميز بين الطائفتين بهذه الطريقة . ونعمّا فعل ! . حكم نقط المصحف وشكله كان العلماء في الصدر الأول يرون كراهة نقط المصحف وشكله ، مبالغة منهم في المحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف ، وخوفا من أن يؤدى ذلك إلى التغيير فيه .